محمد خليل المرادي
135
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
العلامة . كان من أجلاء العارفين المرشدين ، ومن العلماء العاملين ، فاضلا صوفيا مرشدا مسلكا ، نبيها ورعا ، متعبدا متهجدا ، ساكنا وقورا ، حسن الأخلاق ، صاحب عفة وديانة ، لطيف الصحبة ، رقيق الطبع ، حميد الأفعال ، مواظبا على العبادات ، رافضا للدنيا ، جانحا للأخرى . لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى زخارفها . له فضيلة في العلوم والمعارف مع حفظ الألسن الثلاثة : العربية والفارسية والتركية . وله في حل كلام القوم اليد الطولى ، والمعرفة التامة . وبالجملة فقد كان من أجلاء علماء الظاهر والباطن . ولد المترجم بقسطنطينية لكون والده كان إذ ذاك ثمّت ، وذلك في سنة أربع وتسعين وألف . ونشأ في حجر والده . وأخذ عنه الطريق ، وتتلمذ له . وغمرته نفحاته وبركاته ودعواته . وتنبل وتفوّق . وقرأ على غيره ، وعلى الشيخ عبد الرحيم الكابلي الأوزبكي تلميذ والده ، وعلى الشيخ عبد الرحمن المجلد الدمشقي ، والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي قرأ عليه الفتوحات المكية ، وظهرت شمس الفضائل من سمائه . وبزغ بدر المعارف والعوارف من فلك فضائله وسنائه . وبرع في العلوم معقولا ومنقولا ، خصوصا في التصوف والمعارف الإلهية . ولم يزل في ظل والده الظليل قائلا إلى أن انتقل بالوفاة إلى رحمة مولاه كما ذكرناه في ترجمته . وكان الجد المترجم حينئذ بدمشق . فلما جاء الخبر ارتحل قاصدا الروم . ففي أثناء الطريق حصلت نفحة إلهية ومنحة ربانية . فبعد عوده لدمشق ترك الدنيا وترك العقارات وجميع ما كان يتعاطاه . وسلم ذلك لأتباعه من مالكانات وقرى ومزارع وعقارات وغيرها . حتى تجنب مس الدراهم والدنانير بيده . فلم يعهد أنه أمسكها ، واشتغل بالعبادة . ولبس خشن الأثواب وتتوج بتاج الفقراء والدراويش إلى أن مات . وخلع ثياب الدنيا وتسربل بحلل العرفان والإرشاد ، واستقام يفيد . واستمر على ذلك مدة تزيد على أربعين سنة . واشتهر في البلاد . وعمّ ذكره الأغوار والأنجاد ، خصوصا في الديار الرومية ، والمواطن الشامية . وتتلمذ له خلق كثيرون لا يحصون عددا . وأخذوا عنه طريق السادة النقشبندية الذي هو طريقنا . وحجّ إلى بيت اللّه الحرام ، وزيارة النبي عليه الصلاة والسلام مرارا . وارتحل للقدس والخليل . ووصل إلى مراتب الهداية . وغرف من بحر الولاية . وتولى قضاء المدينة المنورة باعتبار الرتبة « 1 » . وله رسائل في العلوم وتعليقات . وكان السلطان محمود خان عليه الرحمة والرضوان أرسل يطلبه من إسلامبول في سنة خمس وستين ومائة وألف .
--> ( 1 ) لا يصل إلى قضاء الحرمين إلا من اجتاز الدرجة ، أو الرتبة العليا من مراتب المدرسين وهي الدرجة الثانية عشرة .